أَكْرُسْ

أَكْرُسْ
[كلمة أمازيغية تعني العقدة و التقاطع]

جربة ليست جزيرة معزولة، بل عُقدة. وهذا الفرق جوهري: فالعزلة تعني الانغلاق على الذات، أما العُقدة فتعني أن تكون نقطة التقاء تمرّ عبرها الطرق ولا تتوقف عندها. في النسيج، العُقدة هي اللحظة البنائية التي فيها يتعانق خيطان كانا يسيران منفردَين، فيشدّان بعضهما ويخلقان معاً متانة لا يقدر أيٌّ منهما أن يُنتجها وحده. هي ما يجعل القماشة قماشة، لا مجرد خيوط متجاورة. من هذه الصورة البسيطة، يستعير مهرجان شوف جربة عنوان دورته هذا العام: أكرس، من اللقاء إلى التشابك.
واللغة العربية نفسها تحمل هذا المعنى في جذرها. فـ«ع-ق-د» لا تُنتج كلمة واحدة، بل حقلاً دلالياً كاملاً: العَقد هو الاتفاق الملزم، والعقيدة هي ما يُمسك به الإنسان في أعمق مستويات وجوده، والمُعاقدة فعل التزام متبادل، والعُقدة في الهندسة والتشريح نقطة التقاء الضغوط حيث تتقابل القوى وتتوزع. حين نختار هذا المفهوم عنواناً، فنحن لا نختار صورة جميلة فحسب، بل طريقة جديدة لرؤية الجغرافيا: لا كخرائط ثابتة، بل كشبكة من التقاطعات الحية، كل تقاطع فيها موقع إنتاج وتوتر وتحوّل في آنٍ واحد.

عُقدة زمنية قبل أن تكون مكانية

التاريخ يشهد على ذلك بكثافة نادرة. الفينيقيون عرفوا جربة محطة لتموين السفن. الأمازيغ بنَوا فيها حضارة لا تزال حاضرة في اللهجة والمعمار وذاكرة الأرض. الرومان جعلوها ميناءً، والعرب المسلمون حوّلوها إلى مركز للعلم والتجارة، واليهود الجرابة، من أقدم الجماعات اليهودية في أفريقيا، بنَوا فيها الغريبة وحوّلوها إلى موقع حج يعبر القارات. جربة ليست تقاطعاً بين حضارات معاصرة فقط، بل بين طبقات من الزمن تتعايش في المكان نفسه، تتحاور أحياناً وتتصادم أحياناً، وفي كل الأحوال تنسج معاً نسيجاً لا يشبه أي نسيج آخر. الجزيرة، بموقعها على طرق الهجرة المتوسطية، تظل شاهدة أيضاً على تفاوت الحق في التنقل، كاشفة عن الشروط غير المتكافئة التي تحدث ضمنها اللقاءات.

الطبيعة: البقاء عبر الترابط

الطبيعة تعلّمنا الدرس نفسه من زاوية أخرى: أن البقاء ينبع من الاتصال لا من العزلة أو التنافس. الفطريات الجذرية تتشابك مع جذور الأشجار فتمدّها بالفوسفور والماء، بينما تعيد الأشجار الكربون الناتج عن التمثيل الضوئي. الشعاب المرجانية والغابات والتربة ليست مجموعات أفراد، بل حقول كثيفة من التعاون تعمل وفق توازن دقيق: أخذ ما يلزم فقط، ورد الجميل، ورعاية شروط استمرار الحياة.
وجربة  تعيش في تقاطع الأنظمة البيئية كما تعيش في تقاطع الثقافات. بين البحر الأبيض المتوسط وخليج قابس والبر الذي يصلها به جسر قابس، تقع الجزيرة في منطقة عتبة نادرة: بين المياه المالحة والمياه الجوفية، بين الساحل الرطب والأرض الداخلية الجافة. هذه العتبة هي ما جعل الحياة ممكنة هنا لآلاف السنين: الملاحات التقليدية، وأشجار الزيتون التي تكتظ بها الجزيرة، وطبقات المياه الجوفية التي لجأ إليها الجرابة عبر الأجيال. لكن العُقدة هشّة أيضاً: إن شُدّت بعنف انقطعت. استنزاف المياه الجوفية، وارتفاع حرارة المتوسط، وتآكل الساحل، والصيد الجائر، كلها ضغوط تُذكّرنا بأن نقاط التقاطع هي الأكثر حساسية، وأن اهتزازاً واحداً فيها يتردد صداه عبر الصياد والحرفي والفلاح وذاكرة المكان الجماعية.

النسيج كممارسة حيّة

تاريخ جربة الطويل مع النسيج يمنح هذه الاستعارة جسداً ملموساً. لقرون، كان إنتاج الأقمشة جزءاً من الحياة الاجتماعية والاقتصادية للجزيرة، تنتقل تقنياته وأنماطه عبر الأجيال. في حومة السوق والمناطق المحيطة، تنتشر “الحوانيت”، وهي ورشات ومحال صغيرة غالباً ما تُدار عائلياً، حيث يُنتج الحرفيون منسوجاتهم ويعرضونها ويتاجرون بها. هذه الأماكن ليست فقط مواقع تجارية، بل مواقع نقل: فيها تتداول المعرفة والإيماءات والحكايات، رابطةً الماضي بالحاضر.
وفي الأنظمة الرقمية أيضاً، العُقدة هي أي وحدة قادرة على الاتصال والمعالجة وتمرير البيانات ضمن شبكة أوسع. هذا التقاطع بين العالم التناظري والعالم الرقمي يعيد تشكيل ثقافتنا اليوم بالطريقة نفسها التي شكّلت بها خيوط النسيج التقليدي مجتمع الجزيرة عبر الأجيال.

أرضية مشتركة

يُفعّل شوف جربة الفضاء العام، والثلاث ليالٍ يتموضع معرضه اللامركزي في قلب حومة السوق، بخرائط تدلّ الزوار على المواقع، ودخول مجاني، ومرشدين فنيين يرحبون بالجميع. المهرجان يكبر كما تكبر المجتمعات، لا بالإعلان بل بالتراكم: فنانون جدد، أسئلة جديدة، وأناس يعودون لأن شيئاً ما أمسك بهم في العام السابق. هذه الأرض هي جربة، جزيرة يحملها أهلها معهم أينما ذهبوا، ويحملون أنفسهم إليها بوفاء يبدو من الخارج عناداً، وهو من الداخل، ببساطة، انتماء وحنين.
المهرجان لا يُدير وجهه بعيداً عن هذه الأسئلة، بل ينظر إليها معاً، في العلن، من خلال الفن. لأن الفضاء العام هو المكان الوحيد الذي يستطيع فيه هذا الحوار الجماعي أن يحدث بحرية، حيث يمرّ الطفل والفنان والغريب أمام العمل نفسه، وكلٌّ منهم يسأل سؤاله الخاص.